ابن الجوزي
98
بستان الواعظين ورياض السامعين
معالم السالفين ، واتبع اثارهم الباقون . ومن ذا الذي يقوم بخلود الدهر غيري ، ومن ذا الذي ينفع دوام الأبد غيري ، عجزت عن الخلود الجبال الراسيات والأطواد العاليات ، والبحار الطاميات . أنا الذي تفردت بالبقاء ، وحكمت على عبادي بالفناء ، أنا اللّه لا إله إلّا أنا لا شريك معي في ملكي ، ولا نظير لي في حكمي ولا ضدّ لي في سلطاني . وأنشدوا : أما والذي لا خلد إلّا لوجهه * ومن ليس في العزّ المنيع له كفو لئن كان هذا العيش مرا مذاقه * لقد يجتني من غثه الثمر الحلو [ 168 ] السؤال لا يدع ذرة واعلموا أن اللّه تبارك وتعالى مسائلكم عن الكبيرة والصغيرة ، والخفية والسريرة ، وعن كل ما قلّ ، وما دقّ وما جلّ ، لا يغفل عن شيء ، يجد العبد ما عمل حاضرا ، ويجزي به وافرا ويسأل عمّا عمل سرا وظاهرا : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] تجد واللّه القليل والكثير ، والنقير والذرة والقطمير . وأنشدوا : واللّه لو بكينا طول الأيام * بدمع هامل سجام وفررنا من الأهل والأوطان * إلى الجبال والآكام خوفا من ذلك المقام ، لكن ذلك لنا قليلا خوفا من سؤال الملك العلام . فكيف ونحن لا نفيق من الغفلات ، ولا ننتبه من السكرات ، ولا نخاف يوما نجد فيه الحسنات والسيّئات ، ونسأل عن المظالم والتبعات ، كما قال الذي فطر الأرض والسماوات : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] . [ 169 ] سؤال اللّه تعالى للعباد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ اللّه تعالى يخلو بعبده يوم القيامة ليس بينه وبينه حجاب ويقول له : عبدي عملت كذا وكذا في يوم كذا ، أما علمت أني مطلع عليك يا عبدي أفجعلتني أهون الناظرين إليك ؟ أما استحييت مني ، أما استحيت من ملائكتي ، أما خفت من عقابي ، عبدي أرويتك من الماء البارد وقوّيت جسمك ووسّعت عليك من سعة رفدي فعصيتني ! حتى أن العبد ليذوب حياء من اللّه ويغمره العرق حتى يكاد يموت من الفزع ، ثم يقول العبد : يا رب النار أهون عليّ من حيائي